اسد حيدر
545
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة
وبفحوى الخطاب وبظاهر القرآن ، ويقول في العموم كذا ، والحقيقة أن هذه ليست أقوالا له مأثورة قد ذكرها ورويت عنه ، بل هي مستخرجة من الفروع التي أثرت عنه وأدلتها التفصيلية التي ذكرت بجوارها أو ذكرها الفقهاء من بعده لها ولا يمكن الاستدلال بسواها » « 1 » . فأصبح ذلك المجهود الذي بذله علماء المالكية هو مجموع أصول المذهب المالكي ، وفي أكثرها مخالفة لرأي مالك ، أو تفردهم بما لم يرد من مالك أثر فيه ، فقد ظهرت بعد وفاته آراء لكبار تلاميذه خالفوه فيها ، ودونوا تلك المخالفة . والشواهد كثيرة على مخالفة أصحاب مالك له من بعده ، فهذا يحيى الأندلسي يخالفه في مسألة الشاهد ويمين صاحب الحق ، وهذا أشهب تروى مخالفته حتى أن أسد بن الفرات لما أراد أن يدون آراء مالك ولجأ إلى أشهب لم يستطع عند التدوين التفرقة بين آراء التلميذ وشيخه مالك فعدل عنه وعاب مسلكه ولجأ إلى عبد الرحمن بن القاسم يأخذ منه ، فقد جاء في مقدمات ابن رشد ما نصه : قدم أسد يسأل مالكا رحمه اللّه فألفاه قد توفي ، فأتى أشهب ليسأله ، فسمعه يقول : أخطأ مالك في مسألة كذا ، وأخطأ في مسألة كذا فتنقصه بذلك وعابه ولم يرض قوله ، والتجأ إلى ابن القاسم ليأخذ عنه آراء مالك وفقهه فقد كان أيضا يخالف مالكا وقد دون ذلك ، فقد جاء في مدونة سحنون آراء صريحة في مخالفة مالك . وأهم الأصول التي كان يعتمد عليها مالك في منحاه الاجتهادي كثيرة منها : عمل أهل المدينة : كان مالك قد أعطى ما جرى عليه العمل في المدينة أهمية كبرى ، وهو يرد الحديث لأنه لم يجر عليه عمل ، ويرى أن أهل المدينة أدرى بالسنة وبالناسخ والمنسوخ كما أشار لذلك في رسالته إلى الليث بن سعد إذا يقول فيها : فإنما الناس تبع لأهل المدينة ، إليها كانت الهجرة ، وبها نزل القرآن وأحل الحلال وحرم الحرام ، إذ رسول اللّه بين أظهرهم ، إلى أن يقول : فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهرا معمولا به لم أر لأحد خلافه للذي في أيديهم من
--> ( 1 ) مالك لمحمد أبو زهرة ص 255 .